عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

86

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

بقدر لمحة أو بارقة ، وإنما يدوم دون قاطع بعد الموت ، لانقطاع علاقة الجسم بالكية . وهذا آخر مقامات سلوك المحبين ، فإذا بلغ السالك إلى هذا الحدّ واتصلت كليته بالمعشوق للمناسبة الكلية التي له معه وانطبع جميع ما في ذات محبوبه في ذاته ، كمرآة انطبعت فيها صور كثيرة وقابلتها أخرى مثلها من الصفاء وكمال الهيئة ، فإن تلك المرآة تنطبع في هذه المقابلة لها بجميع ما فيها من الصور انطباعا متساويا بحيث تكون هذه هذه . وإذا صحّ هذا كانا ذاتا واحدة علما وإرادة واطّلاعا وكشفا ، فيكون العاشق بهذا الاعتبار هو عين المعشوق والمعشوق هو عين العاشق ، فيصير عشق النفس إذ ذاك لذاتها من حيث أنها هي ذات محبوبها ، وتستعدّ بهذا الكمال لقبول الصور الروحانية الفائضة من معدن الجمال الكلي ، وتحبّه حبّا مفرطا وتتجوهر به ، ثم تستعدّ بذلك أيضا إلى إشراق جمال واهب الجمال الذي جماله لذاته وكلّ جمال في العالم العلويّ والسفلي مستفاد منه ، فلا جميل على الحقيقة إلا الحق تعالى كما لا محبوب إلا هو ولا مستحقّ لصفات الكمال والجمال والجلال سواه . وإذ قد بلغ بنا القول إلى هذا الحدّ من تعاشق الأرواح فلنذكر الآن مقام العشق جملة من غير تفصيل إذ مرّ الكلام على تفاصيله في الأبواب المتقدمة .